جاري التحميل ...

أحدث المواضيع

إعلان في أعلي التدوينة

يقول رب العالمين سبحانه {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}

أيها الإخوة الكرام : قبل أيام كنا نتحدث عن بركة من بركات الهجرة وعن نفحة من نفحاتها وعن درس من دروسها وهو أن الله تعالي جعل من الهجرة سببا لبناء مجتمع مسلم قوي ناجح مهاب في مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم

وقلنا يومها إن النبي عليه الصلاة والسلام أسس مجتمع المدينة المنورة علي قواعد ودعائم وعمد منها العل منها المساواة منها المؤاخاة منها التعاون ومنها ربط القلوب المؤمنة بالله رب العالمين في سراءها وفي الضراء وفي شدتها وفي الرخاء ..

أما يومنا هذا فحديثنا عن قاعدة أخري عن دعامة أخري
قامت بالمجتمع وأسهمت في قوته ونجاحه أيام رسول الله واستمرت بعده إلي ما شاء الله هذه الدعامة وهذه القاعدة هي طلب العلم النافع ونشر العلم النافع وبذله لله وابتغاء مرضاة الله

ومن المبشرات أن الإنسان يموت وعمله لا يموت وأن العمر يتوقف وأن الأنفاس تنقطع والعلم النافع ثوابه لا يتوقف وأجره لا ينقطع إلي يوم القيامة « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء : من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له »

بعث الله محمدا صلي الله عليه وسلم معلما وعاش في مكة بعد بعثته ما شاء الله معلما .. وقدم عليه الصلاة والسلام المدينة معلما فلم يكن أحد أحسن تعليما منه صلي الله عليه وسلم

قدم النبي المدينة يقول للناس تعلموا وتفقهوا وابذلوا العلم النافع لأزواجكم لأولادكم لذوي أرحامكم لجيرانكم لأصدقائكم لآبائكم لأمهاتكم ولا تكتموه فتأثموا (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَجَّمًا بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ، وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَجَّمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ.
طلب العلم النافع وبذل العلم النافع

كان هو الشغل الشاغل للنبي عليه الصلاة والسلام من أول يوم من بعثته {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}

بعد نزول هذه الآيات نهض رسول الله متعلما .. علمه جبريل عليه السلام ونهض رسول الله معلما من أول يوم من بعثته وإلي آخر يوم له في مكة فقد كان يلتقي بالمسلمين في دار الأرقم بن أبي الأرقم فيعلمهم مما علمه الله وظل الحال علي ذلك حتي كانت الهجرة إلي المدينة المنورة بنور صاحبها صلي الله عليه وسلم

وفي المدينة فتحت الأبواب لطلبة العلم النافع من أهل المدينة ولمن حولهم من الأعراب
قال مُعَاوِيَة بْن الْحَكَمِ السُّلَمِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أَوْطَاسٍ ، فَعَطَسَ رَجُلٌ ، فَقُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمَّاهُ ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فِي الصَّلاةِ ، فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنْ سَكَتُّ ،فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعَانِي ، فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ ، مَا ضَرَبَنِي ، وَلا كَهَرَنِي وَلا سَبَّنِي ، فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ هَذَا ، إِنَّمَا هُوَ التَّكْبِيرُ ، وَالتَّسْبِيحُ ، وَالتَّحْمِيدُ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم .

حبا في نشر العلم النافع وطمعا في ثوابه كان رسول الله يتخول أصحابه
فيعلمهم ويفقههم وينصح لهم في المسجد وفي بيوتهم وفي السفر وفي الحضر .. قرأ عليهم القرآن وفسر لهم ما تيسر من القرآن ولم يبخل عليهم بشيء مما علمه الله علمهم أمور دينهم وعلمهم أمور دنياهم ولم يخف عنهم شيئا حتي علمهم الخراءة أعزكم الله

علمهم رسول الله فقههم رسول الله فسر لهم بين لهم كل ما أشكل عليهم فهمه ثم دعاهم أن ينشروا ما تعلموه وأن يفقهوا غيرهم فقال «بلِّغُوا عني ولو آية ، وحَدِّثوا عن بني إِسرائيل ، ولا حَرَجَ ، وَمَن كَذَبَ عليَّ مُتَعمِّدا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ»
حبا في نشر العلم النافع وطمعا في ثوابه

ولأن نصف العلم السؤال
فتح رسول الله لأصحابه باب السؤال ولم يزل مفتوحا إلي أجل قد بلغوه سألوه وناقشوه وأجابهم رسول الله فتعلموا وتفقهوا في دين الله

سألوه عن أحب الأعمال إلي الله ؟
سألوه عن أفضل الصدقة ؟
سألوه عن البر وعن الإثم ؟
وعن علامات الساعة ؟
سألوه أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ؟
هل نري ربنا يوم القيامة ؟
كيف يحشر الكافر علي وجهه يوم القيامة؟
هل نذكر أهلينا يوم القيامة؟
سألوه عن الأهلة ؟
سألوه عن اليتامي ؟
عن المحيض؟
عن الأنفال ؟
عن الجبال؟
وسألوه عن أسعد الناس بشفاعته صلي الله عليه وسلم يوم القيامة؟

وعن كل ذلك أجابهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يبخل بشيء ولم يكتم عنهم شيئا علمهم من غير أن ينهرهم من غير أن يكهر منهم أحدا من غير أن يعنف منهم أحدا بأبي هو وأمي صلي الله عليه وسلم ما كان أحد أحسن تعليما منه صلي الله عليه وسلم

وكان الصحابة رضوان الله تعالي عليهم عند حسن ظن النبي عليه الصلاة والسلام حضروا مجالسه واقتربوا منه واستمعوا له ثم عملوا بما علموا ثم خرجوا فعلم بعضهم بعضا ..

عهد إليهم رسول الله إذا سمعوا أن يبلغوا وإذا تعلموا أن يعلموا وإذا فقهوا أن يفقهوا خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ، فَقُلْنَا : مَا بَعَثَ إِلَيْهِ إِلاَّ لِشَيْءٍ سَأَلَهُ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : أَجَلْ سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْتُهَا أَوْ سِمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ، يَقُولُ : نَضَّرَ الله امْرَأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا ، فَحِفَظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ .

كان للصحابة رضوان الله تعالي عليهم صفقات وتجارات ونفقات حالهم كحال الناس لكن هذا لم يمنعهم أن يتغلبوا علي مشاغلهم وأن يعملوا بالحيلة حتي أخذوا العلم غضا طريا من النبي صلي الله عليه وسلم

كانوا رضوان الله تعالي عليهم يتبادلون الأدوار ويتشاركون العمل ويحل بعضهم محل بعض رجاء ألا يفوتهم شيئ من العلم بين يدي النبي صلي الله عليه وسلم

بمعني أن يكون عندنا زيد وعندنا عمرو .. فيحضر عمرو مجلس رسول الله ويبقي زيد في العمل ثم يلتقيا فيحدث عمرو زيدا بكل ما شهد وما سمع وما تعلم وما فقه من النبي عليه الصلاة والسلام وفي اليوم الثاني يحضر زيد مجلس رسول الله فيشهد أحواله ويسمع حديثه ويتعلم منه ويبقي عمرو في العمل ثم يلتقيا فيحدث زيد عمرا بكل ما شهد وبكل ما سمع وما تعلم من النبي عليه الصلاة والسلام

قال عمر رضي الله عنه (كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ )

بعض الصحابة لم يكن من سكان المدينة فكان بعضهم يشد الرحال إلي مدينة رسول الله فيدخل علي رسول الله ويلازمه زمانا فيشهد مجلسه ويحضر حديثه ما شاء الله حتي يتعلم منه ما شاء الله ثم يعود إلي أهله فيعلمهم ويبلغهم ويفقههم
قال مَالِك بْن الْحُوَيْرِث أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَحِيمًا رَقِيقًا ، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا ، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِى أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ « ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ »

هذه الهمة العالية التي كان عليها الصحابة في طلب العلم وفي تبليغ العلم لم تكن حصرا ولا قصرا علي الرجال وإنما شاركهم في ذلك المؤمنات رضوان الله تعالي عليهن
فقد ورد أن «امْرَأَة جَاءَتِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تَعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ فَقَالَ اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّم بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاَثَةً، إِلاَّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ اثْنَيْنِ قَالَ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ .»

بهذه الهمة في طلب العلم تعلم الصحابة القراءة والكتابة والحساب وتكلموا العربية والسريانية والحبشية والفارسية والرومانية وتفقهوا في دين ودنيا تعلموا العلم وتعلموا معه السكينة والوقار فنقلهم العلم من ظلمة الجهل إلي ساحة الأنوار نقلهم العلم من العمي إلي الهدي نقلهم إيمانهم بالله نقلهم إيمانهم بدينهم نقلهم إخلاصهم في القول والعمل من رعاة للغنم إلي قادة للأمم وصدق من قال العلم يبني بيوتا لا عماد والجهل يهدم بيت العز والكرم .

بقي لنا في ختام الحديث أن نقول إن هذا القرآن أنزل علي قلب النبي محمد وأول من سمع وأطاع وأول من يعمل بهذا القرآن رسول الله محمد .. وفي القرآن دعوات لطلب العلم لا تكاد تحصي وعلي الرغم من ذلك عاش الرسول محمد أميا لا يحسب ولا يقرأ مكتوبا ولا يكتب بيده حتي توفاه الله عز وجل

فكيف نوفق بين ترغيب رسول الله وتحبيبه في تعلم القراءة والكتابة والحساب وبين بقاءه أميا لا يقرأ المكتوب ولا يكتب ولا يحسب حتي توفاه الله {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}

وقد أكدت مواقف كثيرة في سيرة النبي أنه لم يكتب ولم يحسب ولم يقرأ منها موقف في صلح الحديبية ومنها أن رسول الله اتخذ كتّابا يكتبون الوحي بين يديه قلت : هذه الأمية دليل صدق النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصف في التوراة بأميته ..

فالأمية في حق النبي شرف الأمية في حق النبي دليل إعجاز فعلي الرغم من أنه أمي إلا أنه علم علم الأولين والآخرين بلا تعلم ولا اكتساب ثم إنه علي أميته جاء بهذا الدين العظيم وبهذا التشريع الحكيم وبهذا القرآن الذي عجز أمامه كل المعاندين
{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

عطل الله ملكة القراءة والكتابة عند رسول الله ثم أطلق لسانه بالفصاحة والبلاغة وحسن البيان فلم يكن أحد أفصح من رسول الله

وفي الختام
كان رسول الله أميا لا يقرأ المكتوب ولا يكتب بيده ولا يحسب لكنه لم يكن جاهلا كان رسول الله أميا لكنه كان عالما وكان معلما ولم يكن أحد أحسن تعليما منه يصبر علي طلبة العلم من غير أن يكهر من غير أن ينهر أو يكل أو يمل

{وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}
التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
مواضيع قد تهمك × +
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال